عبد الكريم الخطيب

917

التفسير القرآنى للقرآن

هكذا كان ردّ إبراهيم على القوم ، إنه ينكر عليهم هذا الضلال الذي هم فيه ، حتى إنهم ليعترفون بألسنتهم على هؤلاء الآلهة بأنهم في عجز ظاهر ، وأنهم لا ينطقون . . « لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ » . . هكذا يقولونها في بلاهة وغباء . . فيجبههم إبراهيم بهذا الردّ المفحم : « أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ؟ » . . أفيصحّ بعاقل لعلم هذا العلم من أمر تلك الأصنام ، ويعرّيها من كل قوة ، ثم يعود إليها خاضعا ذليلا ، يتخاضع بين يديها ، ويعفّر وجهه بالسجود تحت أقدامها ؟ إن ذلك لا يكون من إنسان فيه مسكة من عقل . . ولهذا أتبع إبراهيم هذا القول بقوله : « أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟ وربما قال إبراهيم هذا فيما بينه وبين نفسه ، فبعد أن واجههم بهذا الإنكار : « أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ؟ » رجع إلى نفسه ، فأدار فيها هذا الحديث بينه وبينها . . ! وكلمة « أُفٍّ » هنا ، معناها : بعدا لكم ولما تعبدون من دون اللّه . فالتأفف من الشيء ، يشير إلى التأذى منه ، والضيق به . . وهو حكاية للصوت التي يحدثه الإنسان بأنفه وفمه ، حين يشمّ ريحا خبيثة . . ثم أتبع ذلك بهذا الاستفهام الإنكارى : « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟ أي أما لكم عقول كسائر الناس ، حتى تستسيغوا هذا المنكر ، وتسكنوا إليه ؟ . « قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ » . هذا هو موقف العاجز ، أمام حجة العقل والمنطق . . إنه لا يملك إلا أن يتحول إلى حيوان ، ينطح بقرونه ، وينهش بمخالبه وأنيابه ! لقد اتهموا إبراهيم ، وأدانوه ، وأصدروا حكمهم عليه : « حَرِّقُوهُ » ! هكذا بكلمة واحدة يقضون قضاءهم فيه . .